الشيخ عبد الغني النابلسي
29
كتاب الوجود
به ؛ لكن لما رأينا اسم الوجود أقرب إلى فهم الفاهمين أطلقناه ؛ حتى ينصرف إلى ذلك الأمر القائم به كل شئ ، وهو مستغن عن كل شئ ، ومفتقر إليه كل ما عداه من الأشياء ، فإذا انصرف الفهم إلى ما ذكرناه قلنا له : ذلك هو اللّه عزّ وجلّ لا غير ، فلو كان هناك لفظ آخر يساوى لفظ الوجود في إفادة ما ذكرناه غير لفظ الوجود لقلناه ، وارتابه ما يفيده من المعنى المذكور . وصل : إذا تقرر هذا وعلم فنقول : إن الوجود الحق هو الذات الإلهية « 1 » ، ولا يصح أن يكون صفة للذات الإلهية إلا باعتبار المحض لا حقيقة على طريقة اتصاف الذوات بصفاتها ؛ لاقتضاء ذلك تركيب الذات الإلهية من الوجود وغيره ؛ حيث كانت ذات اللّه تعالى شيئا آخر موصوفا بالوجود ، وأما إذا كان الوجود وصفا للوجود نفسه باعتبار من الاعتبارات فهو صحيح ، لا إذا كان الوجود وصفا لغير الوجود مما يسمى ذاتا إلهية « 2 » ، فإن هذا محض التركيب ؛ وهو باطل في الإله الحق ، منزه عنه - سبحانه وتعالى - كما أن الوجود لا يصح أن يكون صفة للحوادث أيضا ؛ لأنه يقتضى الدور وتوقف الشئ على نفسه وهو محال ؛ فإن الوجود لو كان صفة للحوادث لكان تابعا لها ، ومتوقفا عليها ؛ إذ الصفة تتبع موصوفها ، وتتوقف على ثبوته قبلها ، والحوادث إنما هي قائمة بالوجود
--> ( 1 ) مطلق الذات هو الأمر الذي تستند إليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها ، فكل اسم أو صفة استند إلى شيء فذلك الشيء هو الذات ؛ سواء كان معدوما كالعنقاء ، أو موجودا ، والموجود نوعان : نوع موجود محض ؛ وهو ذات الباري سبحانه ، ونوع موجود ملحق بالعدم ؛ وهو ذات المخلوقات ، وذات اللّه سبحانه عبارة عن نفسه التي هو بها موجود ؛ لأنه قائم بنفسه ، وهو الشيء الذي استحق الأسماء والصفات بهويته . [ المعجم الصوفي ( 98 ) ] . ( 2 ) لوحدة الوجود صورتين : الأولى : هي القول بأن اللّه وحده هو الموجود الحق ، وأن العالم مجموع ظواهر وأحوال ليس لها وجود حقيقي دائم ، ولا جوهر متميز مثل الإسبينوزية . والثانية : هي القول بأن العالم وحده هو الموجود الحق ، وليس اللّه سوى مجموع الأشياء الموجودة في العالم ، والمثال من هذه الصورة مذهب وحدة الوجود عند دولباخ وديدور وعند بعض الهيجليين ، وتسمى هذه الصورة بمذهب وحدة الوجود الطبيعة أو المادية . [ انظر : المعجم الفلسفي ، ( 2 / 569 - 570 ) ] .